الشيخ محمد رشيد رضا

243

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

استعجل في تأدية الذكر عند هذه الاعمال التعبدية المعلومة وهي رمي الجمرات في يومين من تلك الأيام المعدودات فلا حرج عليه ، ومن أتمها كذلك إذا اتقى كل منهما اللّه تعالى ووقف عند حدوده ، فان تحصيل ملكة التقوى هي الغرض من الحج ومن كل عبادة ، والوسيلة الكبرى إليها كثرة ذكر اللّه تعالى بالقلب مع اللسان ، حتى يغلب على مراقبته في جميع الأحوال ، فيكون عبدا له لا للأهواء والشهوات ، وإنما تلك الأعمال مذكرات للناسي والجمار ثلاث وهي كالجمرات جمع جمرة ومعناها هنا مجتمع الحصى من جمره بمعنى جمعه ، ورميها من ذكريات النسك المأثورة عن سيدنا إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم كذبح القرابين هنالك وعامة أعمال الحج ذكريات لنشأة الاسلام الأولى في عهد الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم وكل جمرة ترمى بسبع حصيات صغيرة كل يوم من الأيام الثلاثة أو الاثنين وتمتاز جمرة العقبة منها بأنها ترمى قبل ذلك يوم النحر أيضا ثم أمر بالتقوى بعد الاعلام بمكانتها فقال وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أي اتقوه في حال أداء المناسك وفي جميع أحوالكم وكونوا على علم يقين بأنكم تجمعون وتساقون اليه في يوم القيامة فيريكم جزاء أعمالكم والعاقبة للمتقين ( تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ) فان العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل ، وأما من كان على ظن أوشك فإنه يعمل تارة ويترك أحرى لتنازع الشكوك قلبه ومن فوائد هذا الأسلوب أن تكرار الامر بالذكر وبيان مكانة التقوى ، ثم الامر بها تصريحا في هذه الآيات التي فيها من الايجاز ، ما هو في أعلى درجات الاعجاز ، حتى سكت عن بعض المناسك الواجبة للعلم بها - كل ذلك يدلنا على أن المهم في العبادة ذكر اللّه تعالى الذي يصلح النفوس وينير الأرواح ، حتى تتوجه إلى الخير وتتقي الشرور والمعاصي فيكون صاحبها من المتقين . ثم يرتقي في فوائد الذكر وثمراته فيكون من الربانيين